ابو القاسم عبد الكريم القشيري
169
الرسالة القشيرية
فأرباب الأصول من أهل السنة قالوا : شرط التوبة ، حتى تصح ، ثلاثة أشياء : الندم على ما عمل من المخالفات . وترك الزلة في الحال . والعزم على أن لا يعود إلى مثل ما عمل من المعاصي . فهذه الأركان لا بد منها ، حتى تصح توبته . قال هؤلاء : وما في الخبر أن « الندم توبة » « 1 » إنما نص على معظمه كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « الحج عرفه » ، أي معظم أركانه عرفه ، أي الوقوف بها ، لا أنه لا ركن في الحج سوى الوقوف بعرفات ولكن معظم أركانه الوقوف بها . كذلك قوله « الندم توبة » أي معظم أركانها الندم . ومن أهل التحقيق من قال : يكفى الندم في تحقيق ذلك ؛ لأن الندم يستتبع الركنين الآخرين فإنه يستحيل تقدير أن يكون نادما على ما هو مصر على مثله ؛ أو عازم على الإتيان بمثله . وهذا معنى التوبة على جهة التحديد والإجمال . فأما على جهة الشرح والإبانة ، فان للتوبة أسبابا وترتيبا وأقساما . فأول ذلك : انتباه القلب عن رقدة الغفلة ، ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة . ويصل إلى هذه الجملة بالتوفيق للاصغاء إلى ما يخطر بباله من زواجر الحق ، سبحانه . يسمع قلبه ؛ فإنه جاء في الخبر « واعظ اللّه في قلب كل امرئ مسلم » . وفي الخبر : « إن في البدن لمضغة إذا صلحت صلح جميع البدن وإذا فسدت فسد جميع البدن ، ألا وهي : القلب » « 2 » . فإذا فكر بقلبه في سوء ما يصنعه ، وأبصر ما هو عليه من قبيح الأفعال ،
--> ( 1 ) رواه أحمد وابن ماجة والحاكم والبيهقي في الشعب . ( 2 ) رواه الشيخان وأصحاب السنن .